الفلسفة

العادة لدى الغزالي وأصداؤها في الفلسفة الغربية الحديثة

ديفيد هيوم نموذجًا

د. جمعان بن محمد الشهري

المدخل:

تدور هذه المقالة حول تفسير الغزالي (1111م) لظاهرة الانتظام الكوني، وما يثيره هذا التفسير من صلةٍ ممكنة ببعض تحليلات الفلسفة الغربية الحديثة في مسألة السببية، ولا سيما عند ديفيد هيوم (1776م).

فالغزالي يرى أن ما نلاحظه من اقترانٍ دائم بين الأسباب ومسبباتها، كاقتران النار بالاحتراق، أو الشرب بالرّي، لا يدل على ضرورةٍ طبيعية كامنة في الأشياء، بل يجري على وفق عادة الله تعالى في الإيجاد؛ إذ يخلق الله الأثر عند وجود السبب، لا به. ومن ثمّ، يحفظ هذا التصور أصل التوحيد، ويُبقي باب المعجزات ممكنًا.

أما هيوم، فقد تناول المسألة من زاوية معرفية تجريبية؛ فسأل عن مصدر الشعور بالضرورة في الذهن عند تعاقب الظواهر، وانتهى إلى أن هذا الشعور لا يرجع إلى إدراك رابطة ضرورية في الأشياء، بل إلى عادة ذهنية تنشأ من تكرار المشاهدة. فالذهن، عنده، يتوقع حدوث المسبَّب عند رؤية السبب؛ لا لأنه أدرك ضرورةً قائمة في الطبيعة، بل لأن الخبرة الماضية كوّنت فيه هذا التوقع.

ومن هنا يقع التقاطع بين الموقفين؛ إذ ينكر كلاهما أن تكون المشاهدة الحسية المتكررة كافية، في ذاتها، لإثبات ضرورةٍ ذاتية بين الظواهر. غير أنهما يفترقان في المآل التفسيري؛ إذ يردّ الغزالي الانتظام الكوني إلى مشيئة الله تعالى وقدرته، في حين يرده هيوم إلى آلية نفسية في الذهن البشري.

ومن ثمّ، تسعى هذه المقالة إلى بيان هذا التقاطع وحدوده، مع إبراز سبق الغزالي في نقد الضرورة السببية الطبيعية، وبيان أن هيوم يمثّل نموذجًا غربيًا يلتقي معه في نفي الضرورة المستفادة من مجرد التكرار الحسي، مع بقاء الفروق المحورية بين المنطلق الكلامي الأشعري والإطار الفلسفي ذي النزعة الشكية عند هيوم.

ولكي نبلغ المراد من هذه المقالة، لا بد من تناول المسألة عبر جملةٍ من المحاور المترابطة؛ فيُحرَّر أولًا محلّ النزاع في مفهوم السببيّة، ثم تُعرَض السببيّة بين العقل والتجربة في المنظور الكانطي، ثم نَسلُك الطريق إلى هيوم في سياق التجريبية الحديثة، يتلوه بيان موقفه من نفي الضرورة السببية. وبعد ذلك تُستعرَض وجوه التلاقي والافتراق بين الغزالي وهيوم في ضوء مفهوم العادة وأصدائها، فالنماذج الكبرى لفهم السببيّة في المادية والمثالية والتجريبية والاتجاه الأشعري، وتُختَم المقالة بقراءةٍ في نصّين متقابلين للغزالي وهيوم تُبرِزان الانتقال من المشاهدة إلى التوقّع في تفسير العلاقة بين السبب والمسبَّب.

(1)

محلّ النزاع:

تُعدّ السببية من أكثر المفاهيم الفلسفية إثارةً للجدل؛ لكونها تتصل بأصل تفسير العالم (خصائص الأشياء)، وبطبيعة العلاقة بين العقل والحس (الضرورة / العادة)، وبحدود المعرفة الإنسانية في إدراك الارتباط السببي (الاطراد).

وقد أثار هذا المفهوم خلافًا بين المدارس الفلسفية في مستويين مختلفين: مستوى أنطولوجي تمثّل في التعارض بين المادية والمثالية، ومستوى إبستمولوجي تمظهر في الخلاف بين النزعة العقلية والنزعة التجريبية؛ من غير أن يقتضي ذلك تلازمًا حتميًا بين طرفي كل مستوى، إذ قد تنتمي بعض المذاهب إلى أحد الطرفين في مستوى، من دون أن تنتمي بالضرورة إلى ما يقابله في المستوى الآخر.

ولفهم طبيعة هذا الصراع، لا بد من تحديد محل النزاع؛ إذ يتمحور النزاع حول السببية الخاصة لا العامة، وينصبّ على ثلاثة محاور:

التأثير، والضرورة، والاطراد.

أمّا السببية العامة – وهي مبدأ أن كل حادث لا بد له من سبب – فهي موضع اتفاق بين تلك المدارس.

 فهذا ابن سينا (1037 م) – من خلال تحليل ذاتي لمفهوم الوجوب والإمكان – يبرهن على معنى السببية العقلية بعينها، وفي ذلك يقول”: وكل ما وجوده بشيء، فإذا اعتبر بذاته دون غيره لم يجب له وجود… وأيضًا أن كل ما هو ممكن الوجود باعتبار ذاته، فوجوده وعدمه كلاهما بعلة…» (1).

فالنصان كافيان في البرهنة على مبدأ السببية العقلي؛ فالأول يثبت أن الواجب لا علةَ له، لأنه لو كان وجوده بعلة لما كان واجبًا بذاته عند اعتبار ذاته دون غيره. والثاني يثبت أن الممكن لا بد له من علة، لأن ذاته لا تستدعي وجودًا دون عدم، فخروجه إلى أحد الطرفين لا بد أن يكون بعلة خارجة.

وإذا كان هيوم يشكك في طريقة العلم بهذا المبدأ، من جهة أن الحواس لا تدرك إلا التتابع الزمني، لا من جهة إنكاره صحة المبدأ ذاته؛ إذ رأى أن العقل لا يقوى بذاته على إدراك المبدأ السببي، وإنما يستمده من التكرار الحسي؛ فإنّا نقول: إن النص السينوي لا يثبت العليّة بالمشاهدة ولا بالاستقراء، بل باعتبار الذات؛ فالعليّة هنا ليست حكمًا على ظاهرة خارجية، بل قضية تحليلية تتعلق بماهية الممكن نفسها. وهذا يخرج برهان العلية من دائرة نقد هيوم؛ إذ إن نقده يستهدف المشاهدات التجريبية لا التحليل الذاتي. فابن سينا يدلّل على مبدأ السببية بطريق التحليل الميتافيزيقي لطبيعة الوجود، فلا يحتاج إلى تكرار المشاهدات، كما أن نقد هيوم منصبّ على العلاقات الطبيعية لا الوجودية؛ ومن ثم فلا يتناول طريقة ابن سينا في إثبات هذا المبدأ.
وبالنظر إلى مواقف المدارس من السببيّة الخاصّة، نجد الاتجاه العقليَّ الأرسطي يقول بالتأثير والحتميّة معًا؛ إذ تستلزم الضرورةُ التأثيرَ، ولا يلزم من التأثير الضرورة.

وفي تصوّر معنى الضرورة لدى أرسطو (322 قبل الميلاد) يكفينا الشرطُ الهندسيُّ المضمَّن في المثلث، حيث يقول: «والضروري في التعاليم، وفي الأشياء التي تكون على المجرى الطبيعي، من وجهٍ من الوجوه متشابه؛ وذلك أنه لما كان المستقيم على صفةٍ مخصوصة، وجب بالضرورة أن تكون زوايا المثلث معادلةً لقائمتين» (2).

فهذا المثال يقرِّر أن تحقُّقَ شرطٍ هندسيٍّ معيَّن يستلزم بالضرورة مساواةَ زوايا المثلث لقائمتين؛ فالضرورة هنا من جهة الرياضة العقليّة، التي تشبه نمطَ الضرورة في الموجودات الطبيعيّة، مع بقاء الاختلاف في المادة والموضوع والمنهج.

ومن ثمّ يوجد تقاطعٌ في معنى الضرورة من جهتين: جهةِ الرياضيات، حيث الضرورةُ صوريّةٌ برهانيّة، وجهةِ الظواهر الطبيعيّة التي تجري وفق قانونٍ ثابتٍ عند تحقّق شروطٍ معيّنة، كاحتراق القابل للاحتراق عند مقاربة النار، أو سقوطِ الثقيل إلى أسفل.

وأرسطو لا يقول إنّ الرياضة والطبيعة شيءٌ واحد، بل يثبت بينهما وجهَ شبهٍ مخصوص، هو أنه متى تحقّقت مقدّماتٌ معيّنة لزم عنها بالضرورة أثرٌ معيّن؛ فإذا كان المستقيمُ على نحوٍ مخصوص، كانت زوايا المثلث مساويةً لقائمتين، وفي الطبيعة إذا وُجدت مادةٌ على كيفيةٍ معيَّنة تحت شروطٍ معيَّنة لزم أن تتحقّق صورتُها الطبيعيّة وما يترتّب عليها من آثار. فطريقةُ ارتباط النتائج بمقدّماتها في الهندسة تشبه طريقةَ ارتباط الآثار بعللِها في الطبيعة.

يبقى أن يُقال: هل الحديث هنا عن الضرورة في ذات الشيء، أم عن الضرورة بين السبب والمسبَّب؟ يمكن أن يُقال: إنّ النصَّ الأرسطيَّ يبيِّن الضرورةَ من حيث هي صفةٌ للأشياء، ويبيّنها أيضًا من خلال مثالٍ يُظهِر لزومَ النتيجة عن مقدّماتها؛ أي ضرورةً في علاقة السبب بالمسبَّب. ففي مثال المثلث هناك مجموعةٌ من المعطيات الهندسيّة (السبب)، وقضيّةٌ ناتجة عن ذلك المثلث (المسبَّب): المقدَّم كون المستقيم على صفةٍ مخصوصة، والنتيجة أن زوايا المثلث مساويةٌ لقائمتين، والرابطة علاقةُ لزومٍ بين الشرط والمشروط.

ويشهد لهذا قوله في السياق نفسه: «فقد ظهر إذن أن الطبيعة سبب، وأنها سبب على أنها من أجل شيء» (3).

وهذا النص خلاصةٌ في سياق تقرير أرسطو أن للطبيعة عللًا أربعًا، وأن فهم الشيء الطبيعي لا يكتمل إلا ببيان مادته وصورته وفاعله وغايته؛ فالطبيعة ليست مجرّدَ محرِّك أعمى، بل هي مبدأٌ لحركةٍ منظَّمة تسير «من أجل» شيء، أي لغاية. فاتِّجاه النار إلى أعلى، ونحو ذلك من الأفعال، مظاهرُ لحركةٍ موجَّهةٍ إلى غايةٍ تناسب ماهيّةَ الشيء.

فـ «الطبيعة سبب» أي مبدأٌ داخليٌّ للحركة والسكون في الأجسام الطبيعيّة، و«سببٌ على أنها من أجل شيء» أي سببٌ غائي؛ فكلُّ حركةٍ طبيعيّةٍ موجَّهةٌ إلى غايةٍ تناسب ماهيّة الشيء.

وكما أنّ الشرط الهندسيَّ في الرياضيات يُنتِج نتيجتَه بالضرورة، فكذلك الطبيعة تُنتِج آثارَها بحسب ما تقتضيه ماهيّاتُها؛ فلو أنّ النارَ اقتربت من قابلٍ للاحتراق لاحترق، فهنا نموذجٌ لضرورةٍ صوريّة، وهناك نموذجٌ لضرورةٍ طبيعيّةٍغائيّة.

وأمّا السببية الخاصة لدى هيوم والتجريبيون فليست إلا اقتران وتتابع لا ضرورة فيه.

وفي هذا المعنى يقول هيوم: ” كي نعرف إذن فكرة القدرة أو فكرة الاقتران الضروري معرفةً تامة، علينا أن نفحص انطباعها؛ وكي نعثر على الانطباع بيقينٍ أكبر، علينا أن نبحث عنه في جميع المصادر التي يمكن أن يصدر عنها.

عندما ننظر خارجاً نحو الأشياء الخارجية ونتأمل في عمل الأسباب، لا نكون قادرين البتة على أن نكتشف من حالةٍ واحدة قدرةً أو اقتراناً ضرورياً: أي خاصيةٍ تقرن الأثر بالسبب وتجعل من الواحد النتيجة المحتمة للآخر.

وسنجد فقط أن الواحد يتلو الآخر بالفعل؛ في الواقع، إن دفع كرة البليارد الأولى تصاحبه حركة الكرة الثانية. ذاك كل ما يظهر للحواس الخارجية، ولا يشعر الذهن بأي شعور ولا بأي انطباع باطنٍ عن تتالي الأشياء؛ ليس هناك إذن، في أي حالةٍ بعينها من حالات السببية، ما يمكن أن يوحي بفكرة القدرة أو الاقتران الضروري“(4).

جليٌّ إذن أن مفتاحَ الكشف، لدى هيوم، عن حوادث الخارج وعلائقها هو الانطباع المباشر؛ فلكي نفهم القوى الخفية والاقترانات القائمة بين السبب والمسبَّب، ينبغي أن ننظر في ذلك الانطباع الذي ولَّد تلك الفكرة.

فإذا فعلنا ذلك، فلن نرى في الأشياء نفسها قوى خفية يلزم منها صدور الأثر عن السبب، بل لا نرى إلا شيئًا يتلو آخر، كالذي نراه بين كرات البليارد؛ إذ تتحرك الثانية بعد أن تدفعها الأولى، وهذا هو الذي نشاهده. أمّا الذي لا نشاهده، من منظور هيوم، فهو الضرورة القاضية بحركة الثانية حتمًا؛ فما ندركه في حقيقة الأمر ليس إلا تعاقبًا أو تتاليًا، دون رابطةٍ ضروريةٍ وراء هذا التتابع.

وأمّا الغزالي فيُقرّ بالسببية العامة من حيث إن الفاعل في الوجود هو الله وحده، غير أنه ينفي عن السببية الخاصة التأثيرَ والضرورةَ معًا، ويُحيل الارتباطَ بين الأسباب ومسبباتها إلى العادة الجارية.

وفي المعنى السابق يقول:

“فأما اللازماتُ التي ليست شرطاً، فعندَنا يجوزُ أن تنفكَّ عن الافتراقِ بما هو لازمٌ لها، بل بها لزومُه بحكمِ طردِ العادةِ؛ كاحتراقِ القطنِ عندَ مجاورةِ النارِ، وحصولِ البرودةِ في اليدِ عندَ مماسةِ الثلجِ، فإن كلَّ ذلكَ مستمرٌّ بجريانِ سنةِ اللهِ تعالى”(5).

ويُفادُ من ذلك أن العلاقةَ الظاهرةَ بين الظواهرِ الطبيعيةِ ليست ناتجةً عن سببيةٍ لازمةٍ أو شرطيةٍ في الذاتِ، بل هي ارتباطٌ يخلقه اللهُ عزَّ وجلَّ على وجهِ العادةِ التي قد تتبدَّلُ أو تنقطعُ، مما يؤكد إمكانَ وقوعِ المعجزةِ ويديمُ كمالَ الفعلِ الإلهيِّ ويرفضُ الحتميةَ السببيةَ بين الأشياءِ.

فلزومُ الشيءِ بحكمِ طردِ العادةِ، يعني: أنَّ المسبَّبَ يتبعُ السببَ بناءً على استمرارِ العادةِ لا لضرورةٍ سببيةٍ، فالغزالي ينفي العلّية الضرورية والتأثير السببي، ويرجع الحوادث كلِّها إلى قدرة الله واختياره.

ويتميز ابن حزم (1064م) وابن تيمية (1328م) ومن سار مسيرهما بإثبات تأثير الأسباب دون الالتزام بالحتمية.

ومن النصوص المعبرة عن موقف ابن حزم من إسناد الأفعال والتأثير إلى الظواهر والأعيان، والتي يستثمرها في حججه المعرفية واللغوية ضد التأويلات الكلامية، ما جاء في قوله:

” … وهذا الذي ذكرنا من إضافة التأثير وجميع الأفعال إلى كلّ من ظهرت منه، من جمادٍ، أو عرضٍ، أو حيٍّ ناطقٍ، أو غير ناطقٍ، فهو الذي تشهد به الشريعة، وبه جاء القرآن والسنن كلّها، وله تشهد البنية؛ لأنه أمرٌ محسوسٌ مشاهد، وبه تشهد جميع اللغات من جميع أهل الأرض قاطبة، لا نقول لغة العرب فقط، بل كلّ لغة، لا نحاشي شيئًا منها. وما كان هكذا، فلا شيء أصحّ منه”(6).

وفي المعنى السابق يقول ابن تيمية: “من قال: إن قدرة العبد وغيرها من الأسباب التي خلق الله تعالى بها المخلوقات ليست أسبابًا، أو أن وجودها كعدمها، وليس هناك إلا مجرد اقتران عادي كاقتران الدليل بالمدلول؛ فقد جحد ما في خلق الله وشرعه من الأسباب والحكم والعلل”(7).

وفي النصّ التيميّ ردٌّ على من نفى التأثير السببي في العالم؛ إذ يرى ابن تيمية أن من أنكر ذلك آل قولُه إلى إنكار ما أودعه الله في خلقه وشرعه من الأسباب والحِكَم والعلل. فقدرةُ العبد، وسائرُ الأسباب، جعلها الله طريقًا لوقوع الأشياء؛ ولذلك فليست الاقترانات المشاهَدة مجردَ اقتراناتٍ عاديةٍ محضة، بل لها تأثيرُها وارتباطُها، وذلك كلُّه وفق إذن الله وخلقه.

 

(2)

السببيّة بين العقل والتجريب:

فإذا يمّمنا شطرَ الغرب الحديث، وأشرنا إشارةً لطيفةً إلى ما أثارته السببية على المستوى المعرفي من خلافٍ بين العقليين والتجريبيين، وجدنا أن كانط (1804م) لم ينحز إلى أحد الطرفين، بل سعى إلى إعادة بناء المسألة؛ فوقف، في فلسفته النقدية، موقفًا وسطًا يحاول فيه التوفيق بين العقلانية، ممثلةً في ديكارت (1650م) ولايبنتس (1716م)، والتجريبية، ممثلةً في هيوم.

وفي تقريرِ أن المعرفة تنبع من الحساسية والفهم، وأن العيان والمفاهيم عنصران لا غنى لأحدهما عن الآخر، يقدّم كانط تعبيره الكلاسيكي عن المعرفة بوصفها نتاج اشتراك التجربة الحسية والمبادئ العقلية القبلية معًا. وهذا هو مشروعه الأكبر، الذي يروم من خلاله تجاوزَ التعارض بين العقلانيين والتجريبيين والتوفيقَ بينهما، بأن يعطيَ لكلٍّ منهما دورَه التأسيسيَّ المكمِّل للآخر، فيقول:

” تنبع معرفتنا من مصدرين أساسيين للروح البشرية:

أوّلهما تلقّي التَّمثّلات (قابلية التأثر بالانطباعات)، والثاني القدرة على معرفة موضوع بواسطة هذه التَّمثّلات (تلقائية المفاهيم). يُعطى لنا بأوّلهما موضوع، وبالثاني يُفكَّر فيه في علاقته بذلك التَّمثّل (كمجرد تعيين للروح البشرية). فالعيان والمفاهيم يكونان إذن عنصري كل معرفة لدينا، بحيث إنه لا المفاهيم بدون عيان يقابلها، ولا العيان بدون مفاهيم، يستطيع أن يعطيانا معرفة.

وهذان العنصران إما أن يكونا محضَين أو تجريبيَّين:

تجريبيَّين عندما يكون الإحساس – وهو يفترض حضوراً فعليّاً للموضوع – متضمَّناً فيهما، ومحضَين عندما لا يُخالط التَّمثّلَ أيُّ إحساس. ويمكن أن تُسمَّى هذه الأخيرة مادةَ المعرفة الحسية. وبالتالي، فالعيان المحض لا يحتوي سوى الصورة التي يُعاين بموجبها شيء ما، ولا يحتوي المفهوم المحض إلا صورةَ التفكير بموضوع على وجه العموم. إن العيانات أو المفاهيم المحضة هي وحدها الممكنة قَبليّاً، وتلك التجريبية غير ممكنة إلا بَعديّاً”(8).

هذا في جانب التأسيس؛ أمّا فيما يتعلّق بكون السببيّة مبدأً قبليًّا وشرطًا لإمكان التجربة، وبأنّ السببيّة لا تُستخلَص من التجربة، وبمسألة تقييدها بعالم الظواهر= فهو يُقرّ السببيةَ العامةَ مبدأً قبليًا وشرطًا للتجربة ذاتها؛ أي إن السببية ليست مستخلصة من التجربة، بل هي مبدأ عقلي قبلي نحمله قبل كل خبرة، وبه تنتظم التجربة أصلًا. لكنّه، مع ذلك، يقيّد السببية الخاصة بعالم الظواهر، ولا يتجاوز بها إلى الشيء في ذاته. ومعنى هذا أنه لا يمنح السببية امتدادًا مطلقًا، بل يحصر عملها في عالم الظواهر؛ فهي عنده موضوعية من حيث ما نختبره، لا من حيث ما يتجاوز نطاق إدراكنا. ولذلك فإن الجانب الموضوعي من الوجود، الذي لا تصل إليه حواسنا، لا نستطيع – في نظره – الجزمَ بسريان قانون السببية عليه (9).

وفي ردِّه على هيوم، يرى كانط أنَّ السببية لا تُستخلص من التجربة، وأنه لا يمكن تفسير ارتباط الظواهر في الزمان، على نحو السبب والمسبَّب، اعتمادًا على الحسّ وحده؛ لأن الحسّ لا يعطينا إلا تتابعًا زمنيًّا لوقائع متعاقبة يمكن أن تنقلب في المخيّلة أو يُتخيَّل لها ترتيبٌ غير صورتها الأصلية. ولذلك فإنَّ الذي يجعل هذا التتابع تتابعًا علِّيًّا، بمعنى: يجعل أحد الطرفين سببًا والآخر مسبَّبًا، هو مفهومٌ عقليٌّ محض ينطوي في ذاته على ضرورةٍ تأليفيةٍ معيَّنة؛ أي إنّه يربط بين الظاهرتين ربطًا ضروريًّا، بوصف الأولى شرطًا لحدوث الثانية. وبهذا المعنى، تكون السببية، من المنظور الكانطي، مبدأً قبليًّا للفهم تخضع له جميع التعاقبات التجريبية؛ فلا تكون معرفةٌ تجريبيةٌ منظَّمةٌ بالظواهر ممكنةً إلا على أساس هذا القانون، لأن الظواهر لا تصير موضوعًا للتجربة أصلًا إلا بقدر ما تُدرَك في إطار انتظامها السببي.

وفي هذا المعنى يقول كانط:

” إلا أنّ المفهوم الذي يحمل معه ضرورةَ الوحدة التأليفيّة لا يمكن أن يكون إلا مفهومًا محضًا للفهم، وهو الذي لا يوجد ذلك في الإدراك الحسي؛ وفي هذه الحالة يكون مفهوم علاقة السبب والمسبَّب، التي يُعيَّن فيها الأولُ الثانيَ في الزمان نتيجةً له، لا شيئًا يمكن أن يتقدَّم عليه في المخيِّلة وحسب (أو حتى شيئًا لا يمكن أن يكون مدرَكًا حسيًّا). وينتج عن ذلك أن التجربة، أي المعرفة التجريبية للظاهرات، ليست ممكنةً هي نفسها إلا بإخضاعنا تتابُعَها لقانون السببية؛ إذ لا يكون كلُّ تغييرٍ ممكنًا إلا على أساس هذا القانون. وعليه، فالظاهرات نفسها، بوصفها موضوعاتٍ للتجربة، لا تكون ممكنةً إلا على أساس قانون السببية“(10).

(3)

الطريق إلى هيوم:

ولعلنا نعود إلى هيوم، الذي اتخذناه نموذجًا في هذا المقال، بعد أن نمرَّ في طريقنا إليه ببيكون (1626م) وهوبز ثم جون لوك (1704م).

ففي الاتجاه التجريبي الحديث، الذي أرسى دعائمه بيكون في التأسيس المنهجي، ولوك في التأسيس المعرفي، وهيوم في النقد الداخلي للتجريبية، ولا سيما في مسألة السببية؛ نُقل النقاش إلى طور جديد، إذ حوَّل السببية الخاصة من قانون ضروري يدركه العقل إلى عادة نفسية ناشئة من تكرار الاقتران الحسي. ومعنى ذلك أن الإنسان، إذا رأى اقترانًا متكررًا بين حادثتين، نشأ في نفسه توقّع قوي بأن الثانية ستقع كلما وقعت الأولى. وهذا التوقّع، عند هيوم، ثمرة العادة، لا ثمرة البرهان العقلي على وجود رابطة ضرورية في الخارج.

ونبدأ هذا المسار بفرانسيس بيكون، إذ جعل تصورَ العلم الصحيح قائمًا على التجربة والملاحظة، ورفض أن يبقى العقل أسيرًا للقياس المجرد أو التصورات السابقة على الفحص. فالباحث، عنده، لا ينبغي أن يكتفي بتأمل المعاني العامة، بل يجب أن يلاحق الجزئيات، ويجمع الوقائع، ويستخلص منها القوانين. وبذلك أسهم بيكون في تحويل مركز الثقل في المعرفة من البرهان العقلي الصوري إلى المنهج التجريبي القائم على الملاحظة والاستقراء (11).

ولعل النصَّ التالي يُبرز عناصرَ محوريةً في منهج بيكون، تتمثل في الخبرة، واستخلاص المبادئ منها، ثم الانتقال من هذه المبادئ إلى تجارب جديدة، مع إشراك الحس والذاكرة والذهن في بناء المعرفة؛ مما يوحي بأن العلم عنده يقوم على تنظيم الخبرة الحسية وتدرج الاستقراء، لا على القياس المجرد.

وفي ذلك يقول:

” … بعد أن وضعنا هدفَ المعرفة (فهم الطبيعة من أجل الإفادة العملية)، علينا أن نمضي قدمًا إلى قواعدها، في أوضح نظامٍ وأقومه. وتشتمل اتجاهاتي في تفسير الطبيعة على قسمين عريضين: الأول يتعلق بكيفية استخلاص المبادئ من الخبرة، والثاني يتعلق باستنباط تجارب جديدة من المبادئ. وينقسم الأول، بثلاثة طرق، إلى ثلاث مهمات: مهمة الحواس، ومهمة الذاكرة، ومهمة الذهن أو العقل…” (12).

غير أن هذا التحوّل، وإن كان مهمًّا في بناء العلم الحديث، قد فتح الباب أمام سؤال وارد يقول:

هل يكفي تكرار الوقائع لإثبات الضرورة؟ وهل الاستقراء يمنحنا يقينًا عقليًّا أم مجرد رجحان احتمالي؟

ويذهب توماس هوبس إلى أن مصدر كل معرفة إنسانية هو الإحساس، وأن الموضوع الخارجي يؤثر في الحواس تأثيرًا مباشرًا أو غير مباشر، فتتشكل منه الإدراكات. فاللون والصوت والرائحة، عنده، ليست كيفيات قائمة في الأشياء على النحو الذي تبدو به لنا، بل هي آثار في أجهزتنا الإدراكية، أحدثتها الأجسام الخارجية بحركتها وتأثيرها (13).

بل إن العمليات العقلية نفسها تُفسَّر تفسيرًا ماديًّا، فيغدو الفكر امتدادًا للحركة، وتصبح المعرفة كلها مشدودة إلى الإحساس وما ينتج عنه. ومن هذه الجهة يلتقي هوبس مع النزعة التجريبية العامة، وإن اتخذ عنده هذا الالتقاء صورة مادية صريحة (14).

أما جون لوك، فيُعدّ من أبرز ممثلي التجريبية الحديثة؛ إذ قرر أن الذهن لا يحمل أفكارًا فطرية و”أننا منذ الولادة مثل لوح أبيض فارغ“([15])، وأن كل ما يدركه الذهن إنما يأتي من التجربة. وقد صاغ ذلك في الصورة المشهورة التي تجعل العقل عند ولادة الإنسان كالصفحة البيضاء التي لم يُنقش عليها شيء (16).

فالذهن، عند لوك، يتلقى مادته الأولى من الإحساس الخارجي ومن التأمل الداخلي في عملياته، ثم يركّب منها الأفكار البسيطة والمركبة. وقد عرّف لوك المبدأ السببي تعريفًا يقترب من كونه مبدأً عقليًّا، لكنه ظل يربط نشوء الأفكار بالتجربة الحسية، الأمر الذي جعل موقفه وسيطًا بين إقرار معنى السببية وبين ردّ أصول المعرفة إلى الحس، فلا يصح أن يُجعل هيوميًّا. ويبحث لوك في معنى الجوهر، فيجده ذلك الشيء الذي تُفترض فيه الكيفيات وتحلّ فيه الصفات، ثم ينتهي إلى أن الجوهر في ذاته شيء لا نعلمه على الحقيقة، وإنما نفترض وجوده بوصفه الحامل لما ندركه من الصفات (17).

وهذا التحليل ذو أهمية كبيرة في بحث السببية؛ فالجهل بحقيقة الجوهر يضعف ادِّعاءنا بمعرفة القوى الباطنة المنتجة للآثار، ويُقصِر المعرفة الحسية على الظواهر والكيفيات كما تبدو لنا. بمعنى أننا ما دمنا نجهل حقيقة الجوهر نفسه، فلا يحق لنا أن نزعم معرفة القوى الخفية الكامنة فيه والمولِّدة للآثار؛ ولذلك تبقى معرفتنا الحسية قاصرة على ما يظهر لنا من صفات وأعراض، لا على ما في باطن الأشياء من عللٍ في نفس الأمر. والإنسان قد يرى الحرارة والحركة والتغيُّر، لكنه لا يدرك – بالضرورة – الحقيقة الباطنة التي تولِّد هذه الظواهر؛ ومن ادَّعى معرفة السببية على أنها قوى كامنة في الجوهر، فقد كان ادِّعاءً ضعيفًا. إننا نرى النارَ تحرق، لكننا لا نرى بعين الحسِّ القوة الداخلية التي أوجبت الإحراق (18).

 (4)

هيوم ونفي الضرورة السببية:

ثمّ يأتي من بعد ذلك ديفيد هيوم ليبلغ بالنزعة التجريبية الحسية غايتها الشكيّة. فهو يرجع جميع المعارف إلى التجربة والخبرة، وينظر إلى العقل من جهة مادته المعرفية بوصفه معتمدًا على الانطباعات الحسية والوجدانية، وإن كان الخيال والذاكرة يؤلفان بينها وفق قوانين الترابط، لكن العقل عنده لا يكون قوةً منشئة لحقائق قبلية تتجاوز الحس (19).

وإدراكات الإنسان، عنده، ترجع إلى قسمين أساسيين:

الانطباعات والأفكار. فالانطباعات هي إدراكاتنا الحسية والوجدانية المباشرة، بما فيها الإحساسات، والمشاعر، والعواطف، والإرادات. وأما الأفكار أو التصورات، فهي نُسَخ أضعف من تلك الانطباعات، تستحضرها النفس بعد غياب أصلها الحسي. والفرق بينهما أن الانطباعات أقوى وأوضح من الأفكار، أما الأفكار فهي أضعف وأبهت من الانطباعات. ثم يقسّم هيوم كلًّا من الانطباعات والأفكار إلى بسيطة ومركبة. فالبسيطة لا تقبل التحليل إلى أجزاء أصغر في التجربة، والمركبة تتألف من تلك البسائط بعمل الذاكرة والخيال. وبناءً على ذلك، لا يجوز لنا، في نظره، أن نفكر في شيء لم يسبق أن كان له أصل في انطباع مباشر، إلا من جهة أن الخيال يستطيع أن يعيد تركيب المواد الحسية البسيطة في صور جديدة.ولهذا؛ أنكر أن تكون لدينا أفكار مجردة قائمة بذاتها منفصلة عن كل تعين جزئي، ورأى أن كل فكرة مشروعة لا بد أن تُردّ إلى انطباع سابق. فإذا لم نستطع ردّ الفكرة إلى انطباع= كانت موضع ريبة فلسفية، أو لفظًا لا يملك مضمونًا معرفيًا محددًا (20).

ولهذه الأفكار- القائمة على الإدراك الحسي – ملكتان رئيستان في النفس:

الأولى هي الذاكرة، وهي التي تحفظ الأفكار على نحو يقارب ترتيبها الأصلي في التجربة. والثانية هي الخيال، وهو الذي يتصرف في الأفكار بحرية أوسع، فيفصل ويركب، ويجمع بين ما لم تجتمع أصوله في الخارج. غير أن الخيال لا يعمل هكذا عند هيوم، بل يخضع لقوانين الترابط أو التداعي. فالفكرة تجرّ فكرة أخرى بحسب الشبه، أو التجاور في الزمان والمكان، أو علاقة العلة والمعلول. وهُنا تبرز السببية بوصفها مبدأً من مبادئ تداعي الأفكار،وأساس كل استدلال في أمور الواقع، لا بوصفها ضرورة موضوعية تُدرك في الأشياء (21).

وعلى هذا الأساس يميز هيوم بين نوعين من الأحكام:

أحكام تتعلق بعلاقات الأفكار، وأحكام تتعلق بالوقائع؛ فأما أحكام علاقات الأفكار، كالقضايا الرياضية والمنطقية، فيمكن أن يكون اليقين فيها مطلقًا، لأنها تحليلية أو قريبة من التحليل، ولا يتوقف صدقها على الوجود الخارجي. غير أن هذا اليقين لا يخبرنا عن الوقائع كما هي في الخارج (22).

وأما أحكام الوقائع، فهي التي تتعلق بما يحدث في العالم، وهذه لا تقوم إلا على التجربة، ولا تبلغ يقين الضرورة العقلية. وكل أحكامنا عن المستقبل، وكل توقعاتنا لنتائج معينة من أسباب معينة، تدخل في هذا الباب؛ لأنها لا تستند إلى تحليل المفاهيم، بل إلى ما اعتدنا رؤيته في الماضي (23).

ومن هُنا اشتهر هيوم بنقده للسببية. فهو يعرّف السبب بأنه موضوع يتبعه موضوع آخر، بحيث إن الموضوعات المماثلة للأول تعقبها موضوعات مماثلة للثاني، أو بحيث ينتقل الذهن، عند ظهور الأول، انتقالًا معتادًا إلى فكرة الثاني (24).

وليس في هذا التعريف إثبات لقوة خفية في السبب، ولا لرابطة ضرورية قائمة بينه وبين المسبب، بل فيه بيان للتتابع والاقتران وما ينشأ عنهما في النفس من عادة توقع. فالعلاقة السببية، عنده، ليست رابطة يراها العقل في الأشياء، بل عادة ذهنية تولدت من تكرار اقتران شيئين في التجربة (25).

انظرهُ يقول: ” ولمّا كانت العادة تحملنا على أن ننقل حكم الماضي إلى المستقبل في جميع استدلالاتنا، فإننا، حيثما كان الماضي تامَّ الانتظامِ والتواترِ، نتوقّع الحادثَ بأقصى درجات الوثوق، ونُلغي أيَّ افتراضٍ مضادٍّ “(26).

ويرى هيوم أن الأشياء التي نعدها عللًا ومعلولات تكون غالبًا متصلة في الزمان أو المكان، فلا نعد شيئًا علة لشيء آخر إذا كان بينهما انفصال تام لا واسطة فيه. وقد تظهر بعض الأشياء المتباعدة كأنها تُنتج بعضها بعضًا، لكن البحث يكشف، في الغالب، عن سلسلة من الوسائط المتصلة بينهما. ولهذا؛ جعل الاتصال أو المجاورة شرطًا مهمًّا في تصور العليّة. ثم أضاف إلى ذلك علاقة الأسبقية الزمانية، إذ نميلُ – من منظوره – عادةً إلى أن نجعل العلة سابقة على معلولها، وإن كان بعض الفلاسفة قد جوّزوا التزامن بين العلة والمعلول (27).

غير أن الاتصال والأسبقية لا يكفيان – في نظره – لتأسيس العليّة؛ إذ قد يوجد شيئان متصلان، وقد يسبق أحدهما الآخر، دون أن يكون السابق علة للاحق. فلا بد إذن من البحث عن عنصر ثالث، هو ما يسمى الارتباط الضروري. لكن هذا العنصر الثالث، وهو الارتباط الضروري، هو موضع النقد الهيومي كلّه (28).

فحين ننظر إلى واقعة واحدة، كاصطدام كرة بأخرى وتحرك الثانية بعدها، لا نجد في المشاهدة الحسية شيئًا اسمه القوة أو الضرورة. بل نرى حركة، واصطدامًا، ثم حركة أخرى، لكننا لا نرى رابطة باطنة تلزم الثانية عن الأولى. وإذا كررنا المشاهدة مرارًا، فإن التكرار لا يضيف إلى الأشياء صفة جديدة، ولا يكشف في الموضوعات عن قوة مستترة، بل يُحدث في النفس عادةً تجعل الذهن ينتقل من تصور الأول إلى تصور الثاني. وبذلك تصبح الضرورة، عند هيوم، صفة لطريقة إدراكنا وانتقالنا الذهني، لا صفة للأشياء في ذاتها. ومعنى ذلك أن العادة الناشئة عن التكرار المستمر هي أصل ما نسميه علاقة العلة والمعلول (29).

فليست لدينا، في نظر هيوم، فكرة عن العلة والمعلول إلا فكرة أشياء ارتبطت دائمًا في التجربة الماضية، وبدت غير منفصلة بعضها عن بعض. ونحن لا ننفذ إلى سبب هذا الارتباط، ولا نكشف ضرورته الباطنة، وإنما نلاحظ الواقعة المتكررة، ثم نجد أن الخيال يتحدد، تبعًا لهذا الارتباط المستمر، بالانتقال من أحد الطرفين إلى الآخر (30).

فإذا حضر انطباع أحدهما، كوّن الذهن في الحال فكرة الآخر المرتبط به عادة. ومن ثمّ فإن اكتشاف الأسباب والنتائج لا يتم بالعقل الخالص، بل بالتجربة والعادة. أما القول بأن لكل حادث سببًا، فليس له عنده برهان قبلي، ولا يثبت بعديًّا على وجه الضرورة (31).

وبناءً على هذا، لا نستطيع – عند هيوم – أن نعرف نتيجة معينة معرفة يقينية قبل وقوعها، لأن العلاقات التي نسميها سببية تنشأ في أذهاننا من تعاقب الخبرات، لا من إدراك ضرورة موضوعية في الأشياء. فالضرورة ليست في الواقع المحسوس المشاهد، وإنما في حركة الذهن المعتادة (32).

وإذا كانت السببية، في معناها العقلي العام، تعني أن ما لوجوده بداية لا بد له من سبب، وأن مبدأ السببية مبدأٌ عقلي ضروري لا يستند في أصله إلى التكرار الحسي وحده، فإن هذا التسليم لم يكن مرضيًّا لهيوم ومن سار على طريقته؛ إذ إن الضرورة العقلية، عند هيوم، لا تثبت لمجرد أننا اعتدنا أن نرى حادثًا يعقب حادثًا آخر، ولا يصح أن ننتقل من مجرد التعاقب إلى الحكم بوجود رابطة ضرورية في الأشياء، بَلْهَ في الإرادات؛ حيث ذهب هيوم إلى أبعد من ذلك، إذ أثبت الضرورة في الأفعال الإرادية بالمعنى نفسه الذي أثبتها به في الأسباب المادية؛ أي بمعنى الاقتران المطَّرد والاستنتاج الذهني، لا بمعنى ضرورة باطنة خفيّة في ذات الأشياء أو الأفعال. فهو يُقيِّد مفهوم الضرورة بالاقتران والاستنتاج، ويعممه على جميع الأسباب، المادية والإرادية على حدٍّ سواء.

انظره في هذا المعنى يقول:

“ولكنّنا متى حصل لنا الاقتناع بأنّنا لا نعرف عن السببية، أيًّا كان نوعها، شيئًا أبعد من مجرد الاقتران الثابت بين الموضوعات، وما يترتب عن ذلك من استنتاج الذهن لموضوع من موضوع آخر، ولما وجدنا أن الناس قد أقرّوا إقرارًا كليًّا بمكان هاتين الحيثيتين في الأفعال الإرادية، فقد يكون من الأيسر علينا أن نعترف بضرورة واحدة مشتركة بين كل الأسباب” (33).

فالسببية الخاصة، عنده، ليست قضية تحليلية يكون محمولها متضمنًا في موضوعها، بل هي قضية تركيبية لا يكشف صدقها إلا بالخبرة، ولا تمنحنا الخبرة إلا الاقتران والتتابع، لا الضرورة الباطنة. فالتجريبيون ينطلقون من أصل معرفي حاسم، يتمثل في أن المعارف الإنسانية لا تُستقى إلا من الحس والتجربة، وفي ذلك يقول هيوم “ورغم أن التجربةهي دليلنا الوحيد في استدلالنا حول الوقائع”(34)، وأن العقل – عندهم – في بدايته، صفحة بيضاء لا يحمل أفكارًا قبلية مستقلة عن الخبرة.

ولذلك؛ خالفوا الاتجاه العقلي في جعل السببية الخاصة مبدأً ضروريًّا، لأن العلاقة السببية، بمعنى الضرورة بين العلة والمعلول، تتجاوز حدود ما تمنحه الحواس. فالحس يدرك النار والاحتراق، ويدرك الحرارة والغليان، ويدرك حركة الجسم واصطدامه بجسم آخر، ولكنّه – لدى التجريبيين – لا يدرك بذاته رابطة الضرورة التي تجعل الثاني لازمًا عن الأول. ومن هنا كان الاعتراض التجريبي على السببية اعتراضًا معرفيًّا قبل أن يكون اعتراضًا ميتافيزيقيًّا؛ إذ لا يسأل التجريبي أولًا: هل توجد الضرورة في الأشياء؟ بل يسأل: كيف نعلم هذه الضرورة؟ ومن أين أتت فكرتها في الذهن؟

ولذلك؛ زعم أنه يمكن أن نتصور مسببًا له بداية دون أن نتصور له سببًا، ما دام مفهوم الحدوث لا يتضمن، بالتحليل، مفهوم العلة. فالعلاقة بين السبب والمسبب علاقة تركيبية لا تحليلية؛ إذ يمكن، في التصور، فصل السبب عن المسبب، كما يمكن تصور الحادث دون أن ندرج في مفهومه علة موجدة له. فلا يثبت هيوم مبدأ أن كل حادث لا بد له من سبب بوصفه مبدأً برهانيًا قبليًا؛ لأن تصور الحدوث لا يتضمن، عنده، تصور العلة، وإنما ينشأ اعتقادنا بالعلية من التجربة والعادة (35).

وتقوم حجة هيوم، في هذا الموضع، على مقدمتين:

الأولى أن تصور ما له بداية لا يتضمن بالضرورة تصور أن له علة. والثانية أنه إذا لم تكن العليّة متضمنة في مفهوم الحدوث، أمكن الفصل بينهما في الذهن، بحيث نتصور أحدهما دون الآخر. وبذلك لا تكون السببية ضرورية؛ لأنها لو كانت ضرورية، لما أمكن تصور الحدوث إلا مع تصور السببية.

في هذا المعنى يقول هيوم:

” …وأما الوقائع، التي هي الموضوع الثاني للعقل الإنساني، فإنها ليست موثوقةً بالوجه نفسه، كما أن بداهة حقيقتها عندنا، مهما بلغت، ليست من طبيعة مشابهة لما تقدَّم؛ فعكسُ كلِّ حدثٍ واقعٍ يظل ممكنًا، ما دام لا يمكن أن ينجم عنه تناقض، وما دام الذهن يتصوَّر عكسَ الحدث الواقع هذا، بعين اليسر والتميُّز اللذين كان يتصوَّره بهما لو كان هو عين الواقع. فـ”إنَّ الشمس لن تشرق غدًا” قضيَّة لا تقلُّ معقوليةً، ولا تقتضي من التناقض أكثر مما يقتضيه الإقرارُ بأنَّها ستشرق غدًا، ولا جدوى إذًا في أن نحاول البرهنة على خطئها. أمَّا لو كانت برهانيًّا خاطئة، فإنها ستجرُّ إلى تناقض، ولن يكون للذهن قِبَلٌ بتصوُّرها بتمييز “(36).

يميز هيوم في سياق هذا النص بين نوعين من القضايا: قضايا علاقات الأفكار، وهي قضايا تحليلية يكون نقيضها متناقضًا، مثل قضايا المنطق والرياضيات [2+2=4]، فلا يمكن للعقل أن يتصور أن [2+2=5]، فاستحالة النقيض هنا عقليةٌ محضة؛ وقضايا الوقائع، وهي قضايا تركيبية يكون نقيضها ممكنًا، مثل: “الشمس ستشرق غدًا”، فهذه قضايا عن العالم الخارجي يمكن للعقل أن يتصور نقيضها بلا تناقض، إذ يستطيع أن يتصور: “الشمس لن تشرق غدًا”.

فنقيض كل واقعةٍ ممكنٌ ما دام لا يتضمن تناقضًا، خلافًا لقضايا المنطق والرياضيات.

ويضرب مثلًا بقضية:

  “لن تشرق الشمس غدًا” ؛ ليبيّن أن الخبرة الماضية لا تجعل نقيض الواقعة مستحيلًا عقليًّا، بل يبقى ممكنًا بالمعنى المنطقي الصرف.

كلّ ذلك تمهيدٌ ليتجه إلى القول بأن الرابطة السببية لا تُستنبط من العقل وحده؛ إذ لا يجد العقل تناقضًا في انفكاك المسبَّب عن سببه؛ فلو كانت السببية ضرورةً عقلية، لكان نقيضها (وقوع الحادث بلا سبب، أو انفكاك السبب عن مسبَّبه) غيرَ متصورٍ بلا تناقض، لكننا عقليًّا نستطيع أن نتخيّل احتراقًا بلا اقترانٍ بنار. ومن ثم لا تكون القضية من قبيل القضايا التحليلية/البرهانية، بل من قبيل قضايا الوقائع التي لا تُعرَف إلا بالخبرة والعادة.

فمثال تمدد الحديد بالحرارة لا يدل، عنده، على ضرورة عقلية؛ لأننا نستطيع تصور الحرارة دون التمدد، أو التمدد دون أن نحلله إلى معنى الحرارة. وما لا يكون محمولُه داخلًا في مفهوم موضوعه لا يكون قضية تحليلية ضرورية، بل قضية تركيبية مصدرها التجربة. ويتضح ذلك في مثال كرة البليارد. فإذا تحركت كرة نحو كرة أخرى ساكنة، فهل يقضي العقل بمجرد ذاته بأن الكرة الساكنة ستتحرك؟ أم يمكن أن يتصور العقل أن ترتد الكرة المتحركة، أو أن تسكن الكرتان، أو أن يحدث أثر آخر (37

يرى هيوم أن العقل، قبل التجربة، لا يستطيع أن يختار واحدًا من هذه الممكنات على وجه الضرورة. والذي يجعلنا نرجح حركة الكرة الثانية هو الخبرة الماضية المحفوظة في الذاكرة، لا برهان عقلي قبلي. ومن ثمّ لا تكون الضرورة في العلاقة السببية ضرورة عقلية محتومة، بل عادة ذهنية تولّدت من انتظام الخبرة (38).

ومع ذلك، فإن تفسير هيوم للضرورة السببية يواجه جملة من الاعتراضات (39):

أولها: أن جعل السببية وليدة التكرار يلزم منه ألا نصل إلى قانون سببي إلا بعد سلسلة طويلة من التجارب، مع أن العقل قد يدرك العلاقة السببية من حادث واحد إذا انكشف له وجه التأثير أو التوقف. فليس من الضروري أن نكرر التجربة مرات كثيرة حتى نعلم أن تغيرًا مخصوصًا قد أحدث أثرًا مخصوصًا، متى تبيّن للعقل وجه الارتباط بينهما.

وبهذا؛ يظهر أن التكرار قد يزيد الاطمئنان التجريبي، لكنه لا يخلق مبدأ السببية من العدم.

وثانيها: أن التأمل في مفهومي العلة والمعلول، بمعزل عن هذا المثال أو ذاك، يثير سؤالًا لا يجيب عنه هيوم جوابًا كافيًا:

هل العلاقة بينهما في الذهن علاقةُ ضرورة، أم مجرد اقتران؟ فإن كانت علاقةَ ضرورة، ثبت أن في العقل معنىً سببيًّا لا يختزل في التتابع الحسي. وإن كانت مجرد اقتران، فأين الضرورة النفسية التي اعترف هيوم بأنها تصحب حكمنا السببي؟

أي إننا إذا تركنا الأمثلة الجزئية، كالنار والاحتراق، وتأملنا نفس مفهومي العلة والمعلول، واجهنا سؤالًا مهمًّا:

هل يفهم العقل العلاقة بينهما على أنها علاقة لازمة، أم على أنها مجرد وقوع شيء بعد شيء؟ فإن كانت علاقة لازمة، كان في العقل معنى للسببية يتجاوز مجرد التتابع الحسي. وإن كانت مجرد اقتران متكرر، فكيف نفسر ذلك الإحساس باللزوم الذي يصاحب أحكامنا السببية، حتى عند هيوم نفسه حين يرده إلى لزوم نفسي؟

وعلى هذا؛ فإن تفسير هيوم للسببية بأنه تعوّد الذهن على رؤية التتابع لا يكفي جوابًا عن اعتراض المعترض؛ إذ يبقى السؤال:

لماذا نشعر، عند الحكم السببي، بأن بين السبب والمسبب ارتباطًا لازمًا، لا مجرد تعاقب متكرر؟ ثم إن ردَّ الضرورة إلى الشعور الداخلي لا يفسر أصل هذا الشعور، ولا يبين لماذا يختلف إدراكنا لعلاقة الحرارة بالغليان عن إدراكنا لتعاقب الليل والنهار.

وثالثها: أنّ الضرورة السببية، في التصور العقلي، ضرورة موضوعية لا مجرد اقتران ذهني.

فالإنسان لا يحكم بأن النار محرقة لمجرد أن صورة النار استدعت صورة الاحتراق في خياله، بل لأنه يدرك أن بين الطرفين علاقةَ تأثيرٍ أو توقّف. وقد يخطئ في تعيين السبب، وقد يكشف العلم أن ما ظنه سببًا ليس سببًا مباشرًا، غير أن إمكان الخطأ في التطبيق لا يبطل أصل المبدأ. فكما أن الخطأ في قياس بعض المقادير لا يبطل أصل الكم، كذلك الخطأ في تحديد العلل لا يبطل أصل السببية. فوقوع الخطأ في تطبيق الشيء لا يعني بطلان أصله؛ فلو أخطأ الإنسان في وزن البرتقال، لم يدلّ ذلك على بطلان مفهوم الوزن أو فساد الميزان، وكذلك الخطأ في تحديد سبب شيءٍ ما لا يعني أن مبدأ السببية نفسه باطل.

ورابعها: أن نظرية التداعي لا تستطيع تفسير بعض العلاقات التي لا تظهر على هيئة تعاقب زماني واضح، كما في حركة اليد والخاتم. فحركة الخاتم لا تأتي في الإدراك دائمًا بعد حركة اليد، بل قد تُدرك الحركتان معًا. ومع ذلك نحكم بأن حركة اليد سبب في حركة الخاتم، لا لأن الخيال اعتاد انتقالًا زمنيًّا من الأولى إلى الثانية فحسب، بل لأن هناك تبعية واقعية في الحركة. ولو لم يكن لحركة اليد تقدم واقعي أو رتبي على حركة الخاتم، لما أمكن اعتبارها علة لها. فالمثال يكشف أن التحليل الزمني وحده لا يكفي لفهم العليّة.

وخامسها: أن تفسير العليّة بالتداعي لا يميز تمييزًا كافيًا بين التعاقب المجرد والعلاقة السببية. فالليل يعقب النهار، والنهار يعقب الليل، وقد يتكرر هذا التعاقب في الخبرة الإنسانية تكرارًا لا ينقطع، ومع ذلك لا نقول إن الليل علّة النهار أو إن النهار علّة الليل بالمعنى المباشر.

أما الحرارة والغليان، فالعقل لا يكتفي فيهما بمجرد التعاقب، بل يبحث عن علاقة موضوعية فيزيائية تفسر الانتقال من حال إلى حال. ولو كانت السببية مجرد عادة ناشئة عن التكرار، لما أمكن التفريق المنضبط بين التعاقب الزمني والارتباط السببي.

وقد تأثر أصحاب الوضعية المنطقية، في جوانب من موقفهم من الميتافيزيقا والضرورة، بهذا المسار التجريبي الشكي. فقد نشأت الوضعية المنطقية في النصف الأول من القرن العشرين داعيةً إلى تحويل الفلسفة من تفكير ميتافيزيقي إلى تفكير علمي قائم على الحس والتحقق، ومنكرةً ما لا يمكن رده إلى التجربة أو التحليل المنطقي (40).

وبناءً على هذا الاتجاه، لم يعد مبدأ السببية، بوصفه ضرورة عقلية، مقبولًا عندهم؛ لأنه يتجاوز حدود الحس، ولا يخضع للتحقق التجريبي المباشر. ومن ثمّ عُدّت السببية، في بعض صيغ هذا الاتجاه، فرضًا احتماليًّا أو انتظامًا وصفيًّا، لا قانونًا ضروريًّا يكشف عن بنية الوجود. والنتيجة التي ينتهي إليها هذا المسار أن السببية، في التصور التجريبي المتشدد، لا تكون مبدأً عقليًّا ضروريًّا، ولا قانونًا موضوعيًّا كاشفًا عن طبائع الأشياء، بل عادة ذهنية أو صياغة احتمالية لانتظام الوقائع.

 فالخبرة الحسية تدرك اقتران الحوادث وتعاقبها، لكنها لا تدرك الضرورة. والعقل، ما دام لا يملك أفكارًا قبلية، لا يستطيع أن يضيف إلى الخبرة معنىً لم تمنحه الحواس. ومن هُنا كان نفي الضرورة السببية نتيجة متوقعة للمبدأ التجريبي إذا أُخذ في صورته الحسية الصارمة.

(5)

الغزالي وهيوم: التلاقي والافتراق

غير أن هذا التحوّل في فهم السببية لم يكن حكرًا على الوسط الأوروبي الحديث فقد سبق إليه الوسط الكلامي، حيث قام النقاش حول علاقة الأسباب بالمسببات، ولا سيما عند الغزالي. فلم ينكر وقوع الاقتران المعتاد بين الأسباب والمسببات، ولم ينف أن النار تقارن الاحتراق، وأن الطعام يقارن الشبع، وأن الدواء يقارن الشفاء. لكن أنكر أن تكون الأسباب مؤثرة بذواتها سببيًا كما أنه أنكر تأثيرها استقلالًا عن قدرة الله تعالى ومشيئته. فالعادة جارية بأن يخلق الله تعالى الاحتراق عند ملامسة النار، والشبع عند تناول الطعام، والشفاء عند استعمال الدواء، لا أن تكون هذه الأشياء لها خصائصها المؤثرة في تلك النتائج من جهة، وموجبة لآثارها بذاتها إيجابًا ضروريًّا مستقلًّا من جهة أخرى (41).

ومن هُنا يظهر الفرق بين النفي الغزالي والنفي الهيومي؛ فالغزالي ينفي السببية صيانةً للتوحيد، وإثباتًا لعموم القدرة الإلهية، وتحقيقًا لإمكان المعجزات، أما هيوم فينطلق من مشكلة معرفية حسية، فيسأل عن أصل فكرة الضرورة في الذهن، ثم ينتهي إلى أنها ليست إلا أثرًا نفسيًّا للتكرار.

والغزالي يقرر أن الإطْراد جارٍ بعادة الله، وأن الله قادر على خرق العادة متى شاء، بينما يقرر هيوم أن الإطْراد لا يكشف إلا عن عادة ذهنية في التوقع، ولا يثبت ضرورةً في الخارج.

وقد كان للغزالي في هذا الباب أثرٌ بارز؛ إذ ناقش الفلاسفة في دعوى اللزوم الضروري بين ما يُسَمَّى سببًا وما يُسَمَّى مسببًا، وقرر أن الاقتران المشاهد لا يدل بذاته على ضرورة عقلية توجب صدور أحدهما عن الآخر؛ فالاحتراق عند ملاقاة النار للقطن، مثلًا، ليس عنده أثرًا توجبه النار بذاتها، بل هو مخلوق لله تعالى عند تلك الملاقاة على وفق العادة.

وثمّة التقاءٌ بين الصياغتين الغزالية والهيومية في إنكار كفاية المشاهدة الحسية لإثبات ضرورةٍ ذاتيةٍ بين السبب والمسبَّب، غير أن هذا الالتقاء لا ينبغي أن يُفهم على أنه تطابقٌ كامل بين الموقفين؛ فالغزالي يُؤصِّل من منظوره الكلامي، وغايتُه بيانُ افتقار العالم في كل لحظة إلى الخالق، وردُّ دعوى الفلاسفة في الإيجاب الذاتي والعلل الضرورية، أما هيومفينطلق من أفقٍ معرفي تجريبي، وغايتُه تحليلُ منشأ الأفكار وحدود الاستدلال من الخبرة.

والغزالي لا ينكر قدرةَ العقل على إدراك مبادئ ضرورية مطلقًا، ولا يجعل المعرفةَ كلها محصورةً في الانطباعات الحسية بالمعنى الهيومي؛ بل يعترض على نوعٍ مخصوصٍ من الضرورة، هو ادعاء أن السببَ الطبيعي بعينه يوجب مسبَّبه بذاته، في حين يجعل هيوم نقدَ السببية جزءًا من مشروعٍ أوسع يردُّ الأفكار إلى الانطباعات، ويقصر أحكامَ الوقائع على الاحتمال والعادة.

فالغزالي لا يلتقي مع هيوم في إنكار السببية على إطلاقها، وإنما يلتقيان في إنكار أن الاقترانَ الحسي المتكرر يُثبت ضرورةً ذاتية في الأسباب الطبيعية، ثم يفترقان بعد ذلك؛ إذ يردُّ الغزالي الإيجادَ إلى الله، ويردُّه هيوم إلى عادة الذهن في التوقع، فالتقاؤهما إذن جزئيٌّ، محصورٌ في الإقرار بأن المشاهدة المتكررة لا تدلُّ بنفسها على ضرورة، بينما يختلفان في المعتقد والغاية.

ومع ذلك، فإن إمكان التأثر التاريخي بين الفكرين يظل سؤالًا مشروعًا، ولا سيما أن التراث الفلسفي والكلامي تُرجم وانتقل إلى المجال اللاتيني بدرجات مختلفة. وليس المقصود الجزم بتأثر مباشر لا دليل عليه، بل التنبيه إلى أن تحوّلات السببية من ضرورة ذاتية إلى اقتران معتاد لم يظهر أول مرة في الوسط الأوروبي الحديث، وأن الغزالي قد صاغ، قبل هيوم بقرون، نقدًا لفكرة اللزوم الضروري بين الأسباب والمسببات وأتى بنظرية العادة التي لم تسلم من النقد([42]) الإسلامي ذاته.

ومن ثمّ فالمقارنة بين الغزالي وهيوم لا تكشف مجرد تشابه عابر، بل تفتح بابًا لدراسة تاريخ الأفكار وانتقال المفاهيم بين الثقافات.

(6)

نماذج كبرى في فهم السببية:

وإذا وسَّعنا دائرة النظر قليلًا، بان لنا أن الخلاف في السببية لا يقتصر على هذين النموذجين، بل يندرج ضمن طيفٍ أوسع من التصوّرات الإنسانية؛ ففي الوقت الذي رأت فيه المادية أن العلاقات السببية علاقاتٌ موضوعية قائمة بين الأشياء نفسها – فالنار تُحرِق، والماء يُروي، أدرك الإنسان ذلك أو لم يدركه – ذهبت بعضُ صور المثالية إلى أن هذه العلاقات لا تُدرَك إلا من جهة الذات المدركة، أو أنها ليست إلا انتظامًا في الظواهر كما تبدو للوعي. فالمثالية هنا لا تجعل السببية قائمة في الأشياء على نحو مستقل، بل تربطها بالذات المُدرِكة؛ أي إننا لا نعرف السببية كما هي في ذاتها، بل بوصفها ترتيبًا للظواهر في وعينا. والخلاف، إذن، في أين توجد السببية: هل هي في الأشياء نفسها خارج الذهن، أم أنها مرتبطة بطريقة وعينا بالأشياء؟

في حين المادية – بوصفها النظرة التي تجعل المادة أصل الوجود وتردّ الشعور إلى عَرَض طارئ أو وظيفة تابعة للتكوين المادي – تموّضع السببية. فالعلاقة السببية، لديهم، علاقة قائمة في الأشياء، لا يقوى العقل على خلقها (43). ومن ثمّ فإنَّ احتراق الورق بالنار، أو غليان الماء بالحرارة، أو تمدد الحديد بالتسخين، ليست وقائع نفسية ولا مجرد انتظامات ذهنية، بل هي علاقات واقعية بين أشياء وخصائص وقوى موجودة في العالم الخارجي لا يمكن أن تُحال إلى وسائط غيبية (44).

أما المثالية الذاتية، ففكرتها أن وجود الشيء لا يتحقق إلا بإدراكه، بمعنى: أن تصور الذات هو المهيمن على تحديد ما يظهر لها من الوجود وحقائقه. وبناءً على ذلك، لا يكون غليان الماء – في بعض صيغ هذا الاتجاه – نتيجة موضوعية مباشرة لارتفاع درجة الحرارة، بل يكون سلسلة من الظواهر المتعاقبة في مجال الإدراك، تظهر مترابطة سابقًا ولاحقًا. ولهذا قد تؤول المثالية الذاتية إلى إنكار السببية بمعناها الموضوعي، أي من حيث هي علاقة قائمة بين الأشياء خارج الذهن، أو إلى تأويلها بوصفها مجرد صورة من صور انتظام الظواهر في الوعي؛ بحيث لا تكون إلا الكيفية التي يظهر بها تعاقب الظواهر لنا، دون أن تدل على رابطة موضوعية مستقلة في الخارج (45).

وفي المحاورة التالي ذكرها؛ هدمٌ لفكرة المادة الكامنة وراء الصفات المحسوسة، وإثبات أنَّ ما نعرفة هو ما يظهر في الإدراك.

تحكي المحاورة:

فيلونوس: خبِّرني إذن: أترى فرقًا بين الموضوع المُدرَك إدراكًا مباشرًا وبين الإحساس؟
هيلاس: الإحساس عندي فعلٌ من أفعال العقل المُدرِك، وإلى جانب هذا الفعل الذي يقوم به العقل يوجد شيءٌ مُدرَك، وهو ما أُسمِّيه بالموضوع.

مثال ذلك: اللونان الأحمر والأصفر اللذان أراهما في زهرة التوليب؛ فهذان موجودان أو قائمان فيها.

 ولكن إدراك هذين اللونين هو فعلٌ أقوم به أنا، وبالتالي فهو يتعلق بي، وليس موجودًا في زهرة التوليب.

فيلونوس: ماذا ندرك في هذه الزهرة بجانب لونها وشكلها وامتدادها؟

هيلاس: لا شيء.

فيلونوس: هل تذهب إلى أن الأحمر والأصفر يوجدان في الزهرة مع امتدادها؟ أليس كذلك؟
هيلاس: ليس هذا فحسب، بل إني أذهب إلى أن لهذين اللونين وجودًا مستقلًّا عن العقل، وأنهما قائمان في جوهرٍ غير مفكِّر.

فيلونوس: لا أجادلك في أن هذه الألوان قائمة أو موجودة في زهرة التوليب التي أراها، وأنا لا أُنكر أن هذه الزهرة قد يكون لها وجودٌ مستقلٌّ عن عقلي وعقلك. ولكن ما دامت قد أصبحت شيئًا مُدرَكًا، أي ما دامت قد أصبحت موضوعًا مباشرًا للحواس، وبمعنى آخر: ما دامت قد أصبحت صورةً، فإن من التناقض الواضح أن تدَّعي احتمال وجودها بعد ذلك خارج العقل، في جوهرٍ غير مفكِّر. بل لا أستطيع أن أتصور كيف خلصتَ إلى هذه النتيجة من مجرد كلامك الذي قلته الآن، وهو أن الأحمر والأصفر موجودان أو قائمان في زهرة التوليب التي تراها؛ لأن معنى ذلك أنك لم تدَّعِ إمكان رؤية هذا الجوهر غير المفكِّر”(46).

معتصر المختصر من هذه المحاورة أنَّ هناك فرقًا بين الإحساس بوصفه فعلًا ذهنيًا، وبين الشيء المحسوس القائم خارج الذهن؛ فهيلاس يريد أن يقول: حين أرى الزهرة، فهناك شيئان: فعلٌ في نفسي، وهو الإحساس أو الإدراك، وشيءٌ خارجيٌّ مستقلٌّ، هو الزهرة نفسها بما لها من ألوان وامتداد. فيقول له فيلونوس: ما هذا الشيء الخارجي الذي تتكلم عنه؟ أتعرفه مباشرة؟

ويجعل باركلي فيلونوس يرد على هيلاس بقوله: أنت لا تدرك من الزهرة إلا لونها وشكلها وامتدادها، فلا دليل عندك على شيءٍ آخر وراء هذه الصفات يُسمَّى جوهرًا ماديًّا غير مفكِّر.

والحاصل – لدى باركلي – أنَّ المُدرَك الحسي لا يثبت وجوده خارج الإدراك على صورة جوهرٍ مستقل؛ فالمادة، عند خصومه، ليست شيئًا مُدرَكًا، بل هي شيءٌ مفترض وراء المُدرَكات، وهذا هو الذي يوقع الفلاسفة في الشك؛ لأنهم يميزون بين ما يظهر لنا بالحس، وبين حقيقة خارجية مزعومة لا تقع مباشرة تحت الحس. فالأشياء التي نسميها كتابًا، أو زهرةً، أو قلمًا، ليست أشياء مادية مجهولة وراء الصفات، بل هي مجموع ما يُعطى لنا من الأفكار والمعطيات الحسية في الإدراك؛ ولذلك اشتهر مذهبه بأن وجود الشيء المحسوس إنما يكون في كونه مُدرَكًا، لا في كونه مادةً قائمةً بذاتها خارج الذهن.

فما ندركه، إذن، هو الصفات المحسوسة فقط، ولا مبرر، من منظور باركلي، لإثبات مادة مستقلة تحمل هذه الصفات وراء الإدراك؛ ومن ثمّ فإن العالم المحسوس واقعٌ عنده من حيث هو مُدرَك، لا من حيث هو جوهر مادي قائم بذاته.

وأما المثالية الموضوعية، فإنها تتجاوز حدود الذات الفردية، فتجعل الوعي الإنساني تابعًا لعقلٍ كليٍّ أو نظامٍ مثاليٍّ سابق على الخبرة الحسية؛ ومن ثَمَّ لا تجعل الحقيقة متوقفة عليه وحده، بل ترى أن وراءه مبدأً أعلى هو الأصل الذي تنتظم فيه المعارف والأشياء، وقد تعترف بنوع من الاستقلال للعلاقات السببية عن الذات الفردية المدركة، لكنها لا تؤسس هذا الاستقلال على المادة المحضة، بل على الفكر أو العقل أو النظام الكلي الذي تنتظم فيه الظواهر.

وفي تصوّر هيجل (1831 م)، لا تُترك الحقيقة عند مستوى الجزئيّ الحسّي، بل تُرفع إلى الكلّيّ العقليّ؛ إذ يقول: “… ذلك لأن التفكير في هذه الوقائع الحسّية، أو في عالم الظواهر، يعني تغيير صورتها؛ فهي جزئية، ولكن الفكر يحوّلها إلى كلي“(47).

وفي بيان أنَّ المُدرَك الحسّي ينطوي على باطنٍ داخليٍّ أرسخَ من ظاهره، يقول: “… ونحن، حين نسلب القشرةَ الخارجية، يظهر إلى النور اللُّبُّ، أو الأساسُ الداخلي، الموجودُ في المُدرَك الحسّي“(48).

وفي معنى ردِّ المعارف إلى مبدأٍ أعلى موضوعيٍّ، يقول: “… ولو صحَّ أنَّ العالمَ كومةٌ مبعثرةٌ من الأحداث العرضية، لنتج عن ذلك أن يكون، في ذاته ولذاته، عابرًا سريعَ الزوال، أي باطلًا. ويدلُّ تطلُّعُ الروح إلى الصعود إلى أعلىعلى أنَّ العالم ليس سوى مظهرٍ فحسب، أي ليس له وجودٌ حقيقيٌّ ولا حقيقةٌ مطلقة. كما يدلُّ كذلك على أنَّ وراء هذا الوجود الظاهري تختفي الحقيقةُ التي هي الله، ومن هنا كان الوجودُ الحقُّ اسمًا آخرَ لله“(49).

والمقصود؛ أننا إذا أردنا من جهةٍ معرفيّةٍ ضبطَ المسألة وحوصلتها، أمكن القول إن المادية تجعل السببية علاقةً موضوعية في الأشياء، والمثالية تجعلها، في كثير من صورها، مرتبطةً ببنية الوعي أو العقل، والتجريبية الهيومية تردّها إلى اقترانٍ حسيٍّ وعادةٍ نفسية، أما الغزاليّة فتجعل الاقتران قائمًا بعادة الله لا بضرورة ذاتية مستقلة في الأسباب.

وبهذا تتباين المبادئ والغايات؛ فالمادي يبحث عن انتظام الطبيعة في ذاتها، والمثالي يبحث عن شروط ظهورها للوعي، والتجريبي يبحث عن حدود الخبرة ومصدر الأفكار، والمتكلم الأشعري يبحث عن حفظ التوحيد وعموم القدرة الإلهية مع الإقرار بجريان العادة.

وتدل هذه المقارنة على أن الخلاف في السببية ليس خلافًا لفظيًّا، بل هو خلاف في أصول المعرفة والوجود والإلهيات؛ فمن أثبت الضرورة الموضوعية جعل العالم قائمًا على علل وخصائص مؤثرة، ومن ردّها إلى الذهن جعلها عادةَ توقّعٍ لا رابطةَ وجودية، ومن نسب انتظامها إلى العادة الإلهية جعلها مظهرًا من مظاهر المشيئة لا استقلالًا في الطبيعة.

ولذلك لا يصح تناول السببية بمعزل عن الإطار الفلسفي / الكلامي الذي تتشكل في داخله؛ إذ يختلف معنى السبب باختلاف النظر إلى العالم، وإلى العقل، وإلى الحس، وإلى قدرة الله تعالى.

وخلاصة القول؛ أنّ التجريبيين، من بيكون إلى هيوم ومن تأثر بهم في الوضعية المنطقية، اشتركوا في تضييق مجال الضرورة العقلية، وإن لم يتساووا في درجة الشك ولا في النتائج؛ وقد بلغ هذا الاتجاه ذروته عند هيوم، حين جعل السببية عادة نفسية ناشئة عن تكرار الاقتران، لا علاقةً ضرورية قائمةً في الأشياء.

غير أن هذا الموقف واجه اعتراضاتٍ منطقيةً ومعرفية، تتعلق بإمكان إدراك العلاقة السببية من حادث واحد، وبالتمييز بين التعاقب المجرد والتأثير الموضوعي، وبعجز التداعي عن تفسير كثير من أحكامنا السببية.
وفي المقابل، يكشف النظر في التراث الأشعري، ولا سيما عند الغزالي، أن نقد الضرورة السببية له تاريخ أسبق في الوسط الكلامي، لكنّه صدر عن مقاصد كلامية مغايرة للمقاصد التجريبية الحديثة.

ويبقى السؤال مفتوحًا للبحث:

هل كان نفي الضرورة السببية عند هيوم نتاجًا خالصًا للمنهج التجريبي، أم أنه استفاد، بطريق مباشر أو غير مباشر، من النقاشات الكلامية حول طبيعة العلاقة بين الأسباب والمسببات؟

(7)

من المشاهدة إلى التوقع:

الجدير بالذكر أنَّ في النصين التاليين تقاطع في سؤال المفارقة المعرفية القائل:

كيف نبرر الانتقال من المشاهدة إلى التوقع؟

ولك أن تتأمّل نصَّ الغزالي الشهير في هذا الباب، وأن تقارنه بنص ديفيد هيوم الذي يوشك أن يكون نظيرًا له.

فالغزالي يقول:

“إنَّ الاقترانَ بينَ ما يُعتقدُ في العادةِ سبباً وما يُعتقدُ مسبَّباً ليسَ ضرورياً عندَنا، بل كلُّ شيئينِ: ليسَ هذا ذاك، ولا ذاكَ هذا، ولا إثباتُ أحدِهما متضمِّنٌ لإثباتِ الآخرِ، ولا نفيُه متضمِّنٌ نفيَ الآخرِ، مثلَ الرِّيِّ والشُّربِ، والشِّبَعِ والأكلِ، والاحتراقِ ولقاءِ النارِ، والنُّورِ وطلوعِ الشمسِ، وهلمَّ جرّاً إلى كلِّ المشاهداتِ منَ المقترناتِ في الطبِّ، والنجومِ، والصناعاتِ، والحِرَفِ. وأنَّ اقترانَها لِما سبقَ من تقديرِ اللهِ سبحانَه بخلقِها على التساوُقِ، لا لكونِه ضرورياً في نفسِه غيرَ قابلٍ للفَوْتِ. بل في المقدورِ: خلقُ الشبعِ دونَ الأكلِ، وخلقُ الموتِ دونَ جزِّ الرقبةِ، وهلمَّ جرّاً إلى جميعِ المقترناتِ” (50).

وديفيد هيوم يقول:

” … هناك مبدأ ما يحتم عليه أن يطلع بمثل هذه الخلاصة. هذا المبدأ هو التعوّد أو العادة. لأنه في كل مرةٍ يُحدِث تكرارٌ أيَّ فعلٍ معين أو عملٍ نزوعاً إلى تكرار الفعل أو العمل عينه من دون أن يكون الداعي إلى ذلك أيّ تعليل أو نقلة فاهمية، نقول دائماً:

إن هذا النزوع أثرٌ من آثار التعوّد. ولا ندّعي، إذ نستعمل هذا اللفظ، أننا أعطينا العلة الأخيرة لذلك النزوع، بل نشير فقط إلى مبدأ من مبادئ الطبيعة البشرية معترف به كلياً ومعروف جيداً من آثاره. وربما ليس بوسعنا أن ندفع أبحاثنا إلى أبعد، أو ندّعي إعطاء سبب هذا السبب، بل يجب أن نكتفي به بوصفه المبدأ الأخير الذي بإمكاننا تعيينه بكل ما نستخلصه من الخبرة. وثمة ما يكفي من الرضا في أنه يمكننا أن نوغل إلى هذا الحد؛ ولا داعي للتذمّر من ضيق ملكاتنا لأنها لا تريد أن تقودنا إلى أبعد… فالتعوّد إذن هو المرشد الأكبر للحياة البشرية. إنه المبدأ الوحيد الذي يجعل الخبرة نافعة لنا، وهو وحده الذي يجعلنا نتوقع، في المستقبل، سلسلة من الحوادث المشابهة لتلك التي ظهرت في الماضي”(51).

إذا تأملنا النصين وجدنا بينهما وجوهًا من التقاطع؛ فكلاهما ينفي الضرورة الذاتية بين السبب والمسبَّب. فالغزالي يقول: “ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا”، أي إن أحد المقترنين ليس متضمِّنًا للآخر، وهيوم يقرر أن الانتقال من أحدهما إلى الآخر لا يقوم على “تعليل أو نقلة فاهمية”، بل على مبدأ آخر في النفس.

ويتقاطعان كذلك في ردّ التوقع إلى العادة والاطراد؛ فالغزالي يتحدث عن “ما يُعتقد في العادة سببًا”، بما يفيد أن ما يجري في العالم إنما يُدرك من جهة الاطراد المعهود، لا من جهة الضرورة الذاتية بين الأشياء.

 في حين يجعل هيوم التعوّد هو المبدأ الذي يفسر هذا الانتقال، إذ يقول: “هذا المبدأ هو التعوّد أو العادة… إن هذا النزوع أثر من آثار التعوّد”.

كما يلتقيان في أن المشاهدة لا تكشف عن رابطة تأثير ضرورية كامنة في الأشياء؛ فالغزالي يرى أن غاية ما يثبت هو حصول أحد الأمرين عند الآخر لا به، ولذلك يقول: “إن الاقتران بين ما يُعتقد في العادة سببًا وما يُعتقد مسبَّبًا ليس ضروريًا عندنا”.

وهيوم، من جهته، لا يعدّ العادة كشفًا عن العلة الأخيرة، بل مجرد إشارة إلى مبدأ من مبادئ الطبيعة البشرية، كما يقول: “ولا ندّعي، إذ نستعمل هذا اللفظ، أننا أعطينا العلة الأخيرة لذلك النزوع، بل نشير فقط إلى مبدأ من مبادئ الطبيعة البشرية معترف به كليًا ومعروف جيدًا من آثاره”.

ولك أن تتنبه إلى أنَّ هيوم يثبت انتظام / اطراد التعاقب في الخبرة – من غير أن يسلم بإدراك رابطة ضرورية غيبية في ذات الأشياء -، ذلك أنّه يفرق بين التفسير العامي لتخلّف الأثر بوصفه تردد في السبب، في حين التفسير الفلسفي يعيده إلى خفاء أسباب مقابلة.

انظره يقول:

” إنَّ العامَّةَ الذين يأخذون الأشياء وفق مظهرها الأول ينسبون عدم وثاقة الأحداث إلى تردُّدٍ في الأسباب، يجعلها كثيرًا ما تتخلَّف عن تأثيرها المعتاد، … ولكنَّ الفلاسفة، الذين يلاحظون أن كلَّ أجزاء الطبيعة تحتوي على عدد واسع من الدوافع والمبادئ التي تخفى عن النظر بفعل دقَّتها أو بفعل بُعد علاقتها، يجدون أن أقلَّ ما يمكن قوله هو أن معاكسة الأحداث لما يُتوقَّع يجوز ألَّا تكون متأتية من أيِّ تخلُّفٍ عرضيٍّ في السبب، وإنَّما من عمل أسبابٍ معاكسة… فليس في مقدور [الناظر] أن يفسِّر سبب توقُّف الساعة الحائطية أو اليدوية بأحسن من أن يقول: إنَّ من عادتها التوقُّف؛ ولكنَّ صاحب الصنعة يدرك بيسر أن القوة نفسها في الزنبرك أو في الدقَّاق تؤثِّر دائمًا التأثير نفسه في الدواليب، ولكن تأثيرها المعتاد قد يتعطَّل بسبب ذرَّة غبار تحبس كامل الحركة. ومن معاينة حالات كثيرة موازية، يصوغ الفلاسفة قاعدةً عامةً مؤدَّاها أن الاقتران بين جميع الأسباب والمسبَّبات ضروريٌّ على السواء، وأن ما قد يبدو فيه من التردُّد أحيانًا إنَّما مردُّه إلى التقابل الخفي بين أسبابٍ متقابلة”(52).

أما أوجه الافتراق، فأولها المنحى الميتافيزيقي؛ فالغزالي لا يكتفي بنفي السببية الطبيعية المستقلة، بل يردّ الحدوث والاقتران إلى فعل الله تعالى وتقديره، وأن الأشياء تُخلق على التساوق، كما في قوله: “وأن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه بخلقها على التساوق، لا لكونه ضروريًا في نفسه غير قابل للفوت”
أما هيوم فينتهي إلى أن ما نسميه سببية لا يجاوز اقترانًا متكررًا يولِّد في النفس نزوعًا توقعيًا، من غير إثبات رابطة ضرورية في الخارج.

وثانيها الغرض النظري؛ فالغزالي يتجه إلى صيانة التوحيد والقدرة الإلهية وإمكان المعجزة، بينما يتحرك هيوم داخل أفق تجريبي شكوكي يضيّق دعوى إدراك الضرورة العقلية في الوقائع.

وثالثها مفهوم العادة؛ فهي عند الغزالي جريان أوجده الله على وجه الاطراد مع بقاء إمكان التخلف، أما عند هيومفهي مبدأ نفسي ينشأ من تكرار الاقتران بين الحوادث ويفسر انتقال النفس من مشاهدة سابقة إلى توقع لاحق.

والمقصود أن هيوم يفسر السببية من جهة العادة الذهنية الناشئة من التكرار، بينما يفسر الغزالي الاقتران من جهة العادة الإلهية أو التقدير الإلهي، مع اتفاقهما في نفي الضرورة الذاتية بين المقترنين، واختلافهما في الأساس الميتافيزيقي والغاية النظرية.

 

ثبت المراجع

ابن سينا، الشفاء / الإلهيات، المقالة الأولى، الفصل السادس، منشورات المرعشي النجفي، تحقيق: قنواتي وسعيد رايد، 1404هـ.

أرسطو، الطبيعة، الجزء الأول، ترجمة: إسحق بن حنين، تحقيق: عبد الرحمن بدوي، تقديم: محسن بدوي، المركز القومي، 2007م.
ابن حزم القرطبي، الفصل في الملل والآراء والنحل، تحقيق: سمير قدوري، دار المالكية، ط1، 2023م.
ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، مقدمة: محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1998م.
ابن تيمية، النبوات، تحقيق: عبد العزيز بن صالح الطويان، أضواء السلف، الرياض، ط1، 2000م.
ابن تيمية، مجموع الفتاوى، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، 2004م.
باركلي، جورج، المحاورات الثلاث بين هيلاس وفيلونوس، ترجمة: يحيى هويدي، المركز القومي للترجمة، 2015م.
بيكون، فرنسيس، الأورجانون الجديد، ترجمة: عادل مصطفى، مؤسسة هنداوي، 2017 م.
الجويني، الإرشاد إلى قواطع الأدلة، تحقيق: محمد يوسف، وعلي عبد المنعم، مكتبة الخانجي، مطبعة السعادة، 1950م.
هيجل، موسوعة العلوم الفلسفية، المجلد الأول، ترجمة وتعليق: إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط3، 2007 م.
هيوم، ديفيد، تحقيق في الذهن البشري، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2008م.
هيوم، ديفيد، مبحث في الفاهمة البشرية، ترجمة: موسى وهبة، دار الفارابي، بيروت، ط1، 2008م.
هوبس، توماس، اللفياثان، ترجمة: ديانا حرب وبشرى صعب، مراجعة وتقديم: رضوان السيد، مشروع كلمة، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، 2011م.
جوناثان ري، وج. أو. أرمسون، الموسوعة الفلسفية المختصرة، ترجمة: فؤاد كامل ورفاقه، مراجعة: زكي نجيب محمود، المركز القومي للترجمة، ط1، 2013 م.
رسل، برتراند، تاريخ الفلسفة الغربية، الكتاب الأول: الفلسفة القديمة، ترجمة: زكي نجيب محمود، مراجعة: أحمد أمين، مؤسسة هنداوي، 2023م.
زكي نجيب محمود، المنطق الوضعي، مؤسسة هنداوي، 2017م.
زكي نجيب محمود، نحو فلسفة علمية، مؤسسة هنداوي، 2017م.
السنوسي، الدلائل القطعية في الرد على من أثبت التأثير للأسباب العادية، عناية: نزار حمادي، دار الإمام ابن عرفة، ط1، 2023م.
الشهرستاني، الملل والنحل، مؤسسة الحلبي.
الصدر، محمد باقر، فلسفتنا، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط12، 1982م.
الغزالي، أبو حامد، تهافت الفلاسفة، تحقيق: سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة، ط7.
كانط، إيمانويل، نقد العقل المحض، ترجمة: غانم هنا، مراجعة: فتحي المسكيني، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2013م.
كرم، يوسف، تاريخ الفلسفة الحديثة، مؤسسة هنداوي، 2017م.
الجابري، محمد عابد، مدخل إلى فلسفة العلوم، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط6، 2006م.
سكيربك، غنار، وعيلجي، نلز، تاريخ الفكر الغربي من اليونان القديمة إلى القرن العشرين، ترجمة: حيدر حاج إسماعيل، مراجعة: نجوى نصر، المنظمة العربية للترجمة/ مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2012م.
لوك، جون، مقالة في الفهم الإنساني، ضمن: تراث الإنسانية، بقلم: محمد فتحي الشنيطي، الدار المصرية للتأليف والترجمة، ج4.

([1]) الشفاء / الإلهيات، المقالة الأولى، الفصل السادس، منشورات المرعشي النجفي، ت: قنواتي وسعيد رايد، 1404 هـ، ص38.

([2]) الطبيعة، الجزء الأول، أرسطو، ترجمة: إسحق بن حنين، تحقيق: عبد الرحمن بدوي، تقديم: محسن بدوي، المركز القومي، 2007م، ص 160.

([3]) الطبيعة، الجزء الأول، أرسطو، ترجمة: إسحق بن حنين، تحقيق: عبد الرحمن بدوي، تقديم: محسن بدوي، المركز القومي، 2007م، ص 157.

([4]) مبحث في الفاهمة البشرية، ديفيد هيوم، ترجمة: د. موسى وهبة، دار الفارابي، بيروت، 2008، ص94-95.

([5]) الاقتصاد في الاعتقاد، الغزالي، وضع حواشيه: عبد الله محمد الخليلي، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان،2004 م، ص60.

([6]) الفصل في الملل والآراء والنحل، ابن حزم القرطبي، ت: سمير قدوري، دار المالكية، ط1، 2023 م، 3/201.

([7]) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، 2004 م، 8/136.

([8]) نقد العقل المحض، إيمانويل كانط، ترجمة: غانم هنا، مراجعة: فتحي المسكيني، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2013 م، ص125.

([9]) انظر: نقد العقل المحض، إيمانويل كانط، ترجمة: غانم هنا، مراجعة: فتحي المسكيني، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2013 م، ص73، ص 578.

([10]) نقد العقل المحض، إيمانويل كانط، ترجمة: غانم هنا، مراجعة: فتحي المسكيني، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2013 م، ص283 – 284.

([11]) انظر: الأورجانون الجديد، فرنسيس بيكون، ترجمة: عادل مصطفى، مؤسسة هنداوي، 2017، ص65، 89 وما بعدها. تاريخ الفلسفة الحديثة، يوسف كرم، مؤسسة هنداوي، ص 54 وما بعدها. وانظر: مدخل إلى فلسفة العلوم، محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط6، 2006 م، 238.

([12]) انظر: الأورجانون الجديد، فرنسيس بيكون، ترجمة: عادل مصطفى، مؤسسة هنداوي، 2017، ص90.

([13]) انظر: اللفياثان، توماس هوبس، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، مراجعة وتقديم رضوان السيد، مشروع كلمة، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، 2011 م، ص33 وما بعدها.

([14]) انظر: اللفياثان، توماس هوبس، ترجمة ديانا حرب وبشرى صعب، مراجعة وتقديم رضوان السيد، مشروع كلمة، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، 2011م، ص60 وما بعدها.

([15]) تاريخ الفكر الغربي من اليونان القديمة إلى القرن العشرين، غنار سكيربك و نلز عيلجي، ترجمة: حيدر حاج إسماعيل، مراجعة: نجوى نصر، المنظمة العربية للترجمة/ مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2012 م، 461.

([16]) انظر: تراث الإنسانية، الدار المصرية للتأليف والترجمة، مقالة في الفهم الإنساني، لجون لك، بقلم محمد فتحي الشنيطي، 4/435 وما بعدها.

([17]) انظر: تراث الإنسانية، الدار المصرية للتأليف والترجمة، مقالة في الفهم الإنساني، لجون لك، بقلم محمد فتحي الشنيطي، 4/435 وما بعدها. وانظر: تاريخ الفكر الغربي من اليونان القديمة إلى القرن العشرين، غنار سكيربك، نلز عيلجي، ترجمة: حيدر حاج إسماعيل، مراجعة: نجوى نصر، المنظمة العربية للترجمة/ مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2012 م، 454 وما بعدها.

([18]) انظر: الموسوعة الفلسفية المختصرة، جوناثان ري، وج. أو. أرمسون، ترجمة: فؤاد كامل ورفاقه، مراجعة: زكي نجيب محمود، المركز القومي للترجمة، ط1، 2013 م، ص271 -272.

([19]) انظر: تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص60 -61.

([20]) انظر: تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص39، 40، 48، 45.

([21]) انظر: تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص39، 47.

([22]) انظر: تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص51.

([23]) انظر: تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص52، 54.

([24]) انظر: تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص72، 109.

([25]) انظر: تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص72.

([26]) تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص89.

([27]) انظر: تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص89.

([28]) انظر: تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص91.

([29]) انظر: تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص76، ص89، 102.

([30]) انظر: تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص94.

([31]) انظر: تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص54، 89، ص110.

([32]) انظر: تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص95، 100، 107.

([33]) تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص126.

([34]) تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص146.

([35]) انظر: تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص72، 89، 101.

([36]) تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص52.

([37]) انظر: تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص89، 111. 139.

([38]) انظر: تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص72، 89.

([39]) انظر: فلسفتنا، محمد باقر الصدر، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، لبنان، ط12، 1982 م، ص80 وما بعدها. وانظر: مدخل إلى فلسفة العلوم، محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط6، 2006 م، ص121 وما بعدها.

([40]) انظر: المنطق الوضعي، زكي نجيب محمود، مؤسسة هنداوي، 2017 م، ص 302.  وانظر: نحو فلسفة علمية، زكي نجيب محمود، مؤسسة هنداوي، 2017 م، ص 251 وما بعدها. وانظر: مدخل إلى فلسفة العلوم، محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط6، 2006 م، ص25، 280.

([41]) انظر: تهافت الفلاسفة، الغزالي، ت: سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة، مصر، ط7، ص246. وانظر: الارشاد إلى قواطع الأدلة، الجويني، ت: محمد يوسف، وعلي عبد المنعم، مكتبة الخانجي، مطبعة السعادة، 1950 م، ص207. وانظر: الملل والنحل، للشهرستاني، مؤسسة الحلبي، 1/ 97. وانظر: الدَّلَائِلُ القَطْعِيَّةِ فِي الرَّد عَلَى مَنْ أَثْبَتَ التَّأْثِيرَ لِلْأَسْبَابِ العَادِيَّة، السنوسي، عناية: نزار حمادي، دار الإمام ابن عرفة، ط1، 2023م، ص7.

([42]) انظر: الفصل في الملل والآراء والنحل، ابن حزم القرطبي، ت: سمير قدوري، دار المالكية، ط1، 2023 م، 5/32، 33.. وانظر: النبوات، لابن تيمية، ت: عبد العزيز بن صالح الطويان، أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية، ط1، 2000 م، 1/173..  وانظر: الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، ابن رشد، مقدمة: محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، ط1، 1998 م، ص166 وما بعدها.

([43]) انظر: الموسوعة الفلسفية المختصرة، جوناثان ري، وج. أو. أرمسون، ترجمة: فؤاد كامل ورفاقه، مراجعة: زكي نجيب محمود، المركز القومي للترجمة، ط1، 2013 م، ص284.

([44]) انظر: تاريخ الفلسفة الغربية (الكتاب الأول / الفلسفة القديمة)، برتراند رسل، ترجمة: زكي نجيب محمود، مراجعة: أحمد أمين، مؤسسة هنداوي، 2023 م، ص271 -272.

([45]) انظر: الموسوعة الفلسفية المختصرة، جوناثان ري، وج. أو. أرمسون، ترجمة: فؤاد كامل ورفاقه، مراجعة: زكي نجيب محمود، المركز القومي للترجمة، ط1، 2013 م، ص82. وانظر: موسوعة العلوم الفلسفية، هيجل، ترجمة: إماما عبد الفتاح، ط3، 2007 م، ص158.

([46]) المحاورات الثلاث بين هيلاس وفيلونوس، جورج باركلي، ترجمة: يحي هويدي، المركز القومي للترجمة، 2015 م، ص70.

([47]) موسوعة العلوم الفلسفية (المجلد الأول)، هيجل، ترجمة وتعليق: إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، ط3، 2007 م، ص170. وانظر: تاريخ الفكر الغربي من اليونان القديمة إلى القرن العشرين، غنار سكيربك و نلز عيلجي، ترجمة: حيدر حاج إسماعيل، مراجعة: نجوى نصر، المنظمة العربية للترجمة/ مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2012 م، 650.

([48]) موسوعة العلوم الفلسفية (المجلد الأول)، هيجل، ترجمة وتعليق: إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، ط3، 2007م، ص170.

([49]) موسوعة العلوم الفلسفية (المجلد الأول)، هيجل، ترجمة وتعليق: إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع بيروت، ط3، 2007 م، ص170.

([50]) تهافت الفلاسفة، الغزالي، ت: سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة، مصر، ط7، ص238.

([51]) مبحث في الفاهمة البشرية، ديفيد هيوم، ترجمة: د. موسى وهبة، دار الفارابي، بيروت، لبنان، ط1، 2008 م، ص 70 – 73.

([52]) تحقيق في الذهن البشري، ديفيد هيوم، ترجمة: محمد محجوب، المنظمة العربية للترجمة / مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت، 2008 م، ص120.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى